الثلاثاء، 25 يونيو 2019

علي البدر وقراءة في قصيدة "ياوطني" للشاعر المغترب مصطفى الحاج حسين يا وطني ... شعر : / العراق ,,,,,,,,,,,,,,,,,

علي البدر
وقراءة في قصيدة "ياوطني" للشاعر المغترب مصطفى الحاج حسين
يا وطني ... شعر :
مصطفى الحاج حسين
مُدَّ لي يَـدَكَ يا وطني
الغربةُ ضـاقتْ عليَّ كَالكَفَنِ
أحيا من دونِ هواءٍ
والموتُ يَتَوسَّعُ في أنفاسي
وفي دمي
هذا الزَّمانُ ليسَ
من زمني
وليسَ بهذا العالمِ
مَسكَنِي
غريبٌ عن شمسٍ لا تضيءُ
وعن ليلٍ مَكسُوٍّ بالشَجَنِ
هنا الماءُ مَحشُوٌّ بالعَلْقَمِ
والخُبزُ معجونٌ بالسـَّـقـَمِ
حتَّى السَّماءُ واطئةٌ
والنَّدى يَشكو مِنَ الوَهَنِ
جدرانُ هذا البيتِ
لا تَعرِفُنِي
وأنا لَمْ أعتَد
على سَقفٍ يَحُطُّ فوقي
وَيركَبُنِي
البـابُ لا يفهمُ لُغَتِي
لينفتحَ
والمُفتاحُ يسرقُ أصابعي
وينهشني
جُنَّ الصَّبرُ منِّي يا وطني
وضاقَ ذرعاً بقصائدي
قلمي *
مصطفى الحاج حسين .
إسطنبول
يغادر الانسان وطنه وقد تكون المغادرةُ حلماً نَصُرُّ على تحقيقه. أجل عندما يشعر الإنسان بالغربة alienation في وطنه نتيجة ضيقِ مادي أو كبتٍ وقهرٍ اجتماعي أو عدم توفر الفرصة لإثبات وتعزيز الذات وغيرها. ولكن يبقى حبُّ الوطن متجذراً في الأعماق ويسري في الشرايين. وها هو الشاعر "مصطفى الحاج حسين" يناشد وطنه فقد غلبه الحُبُّ بل العشق للوطن "مُدَّ لي يدَكَ يا وطني" واليد هنا استعارةٌ مجازية فهو يخاطب الوطن وكأنه إنسان مثله ضمن عملية أنسنة رائعة unique personification حيث تتحول المناشدة إلى توجع استطاع الشاعر وببراعة أن يجعلنا نتنفسه. وهنا يُشبِّه الغربةَ بالكفن ضمن مقارنة فلسفية philosophic metaphor or comparison رائعة. أجل..يَلفُّ الكفنُ أجسادَنا ويلتصق عليها التصاقاً ونحن ميتون والحقية إننا أحياءٌ في آخر دار سكن، يلفنا الثوب الأبيض النقي إلى يوم يُبعثون. "أحياء من دون هواء". يدخل صدري ليزيد من ضيق أنفاسي، فقد انعدم تأثير البيئة المبهر عند أول وهلة وبات الجمودُ والملل مسيطراً تماماً ويكون مرادفاً لموتٍ بطيء "والموتُ يتوسَّعُ في أنفاسي وفي دمي.." حيث الإغتراب على أشده و"هذا الزمانُ ليس من زمني" وبالتأكيد الوحدة في كل زاوية تلاحقه فحتي الشمس التي تمنح النور والحياة والبركة تكون معتمة لإنسان في أعماقه اللوعة والوحدة والألم "غريب عن شمس لاتضيء وعن ليل مكسو بالشجن.." لا طعم للحياة وياليت أيامُ كسرةِ الخبزِ المغمسة بالشاي وسط الأهل ونظرة الأم تعود فالماء في الغربة "محشو بالعلقم والخبز معجون بالسقم" وحتى السماء التي هي امتدادٌ أزليٌّ لانهائي لم تعد بنفس الأمان ألذي يمنحه سقفُها، فقد ضاق كلُّ شيء عليه. يمد يده ليتحسس مفاتيح غريبة لبيت غريب لن يتحمل سقفه، وأي شيء يعادل ذرة تراب منك يا وطن:
" ألباب لا يفهم لغتي لينفتح
والمفتاح يسرق أصابعي
وينهشني
جنَّ الصبر مني يا وطني.."
وكما ذاق الشاعرُ ذرعاً من غربته فإن الصبر ذاق ذرعاً من قصائدة، وهذا بالحقيقة ذروة الألم عندما تُبكي الشاعرَ قصائدُهُ المكسوة بالشجن. وقد لاحظت اسلوب الألم المليء بالتشاؤم pessimism بعد موجة الربيع العربي التي اسقطت بعض الحكام العرب ليستبدلوا بحكام سرق بعضهم شعبه وباتت دولنا في تقسيم وفوضى عارمة. وجاءت الفرصة المواتية لامتصاص وسرقة الكفاءات والطاقات الشبابية وأصحاب الخبرة فبات أهلنا مشتتين في ديار الغربة يلفهم الحنين إلى الوطن.
وترى الأيامُ أدمَتْ شعوباً
كَعِهنٍ منفوشٍ للريحِ يُساقُ
وا أّسَفي على سَفيهِ الظروفِ
يَري الشعبَ دَمُه يُراقُ
علي البدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق