الأربعاء، 9 نوفمبر 2016

الصّورة بين الشّعريّة والأسطورة قراءة في قصيدة "امرأة من أوروك " للشّاعر العراقي عبد الجبّار الفيّاض النّاقدة والتّشكيليّة التونسيّة خيرة مباركي/ تونس ...

الصّورة بين الشّعريّة والأسطورة
قراءة في قصيدة "امرأة من أوروك " للشّاعر العراقي عبد الجبّار الفيّاض
النّاقدة والتّشكيليّة التونسيّة خيرة مباركي
مثّلت القصيدة العربيّة إطارا فسيحا للتّخييل كفعل مارد يستحكم في الشّعريّة ، باعتباره الآلة المحرّكة لفعل الكتابة ، يتحرر فيها من مركزيّة العقل وسلطته ليمارس صاحبها لعبته الفنّيّة .. يستصرخ من أحمال الذّات وانفعالاتها عواطفا وأفكارا . وكأنّ الشّاعر يتنازع مع الواقع ويفري فيه ويحاول أن يضمّه ويحتويه .. لكنّ رغبة المبدع في إدراك الميتافيزيقيّات والتّقوّت منها جعله يحلّق في التّخوم القصيّة والشّعريّات الثّاوية في الحدود والمضايق .. وكأنّه يتملّص من سلطة العقل ليخوض في الخيال .. فيربط بين الطّاقة الخلاّقة والواقع باعتبار المعاني كما يذهب إلى ذلك حازم القرطاجنّي "مجرّد صور حاصلة في الأذهان لأشياء موجودة في الأعيان " .. وقد ترسّخت علاقة الشّعريّة بالخيال في الشّعر المعاصر حتّى أنّه بات مقياسا لجودة النّصّ وقدرة صاحبه في التّحكّم في مغاليقه وآليّاته الفنّيّة .. فيغدو مقاربة جماليّة تقدّس الفعل الإبداعي . يطبع عبره النّزوع إلى ظاهرة التّداعي الحرّ للأفكار وخلق ضروب التّآلف والوحدة ما بين المتناقضات . فيكون بذلك دعما لروح الخلق والإبداع التي تتجاوز المحاكاة والتّقريريّة إلى ترميز مقامات الكلام والتّحليق في فضاءات المجاز .. ولعلّ الشاعر العراقي عبد الجبّار الفيّاض أحد الذين عشقوا التّفرّد وانطلقوا في عوالم الإبداع والتّميّز ينشئون أكوانهم الشّعريّة الخاصّة ويبنون صروحهم فيها .. وهذه القصيدة "أميرة من أوروك " إحدى أعماله الشّعريّة التي تعتبر رهانا إبداعيّا من رهاناته نحو الشّعريّة العربيّة التي تختزل رؤيته الفنّيّة للقصيدة الحديثة .. "أميرة من أوروك" أو أنثى من عالم مفارق .. قد تكون فيها بعض طبائع البشر ولكنّها قدّت من خيال وفنّ .. من أوهام لائشة وأنصاب جامدة .. وعلى قارئها أن يكون مريدا ، صوفيّا قد شرب من دهشة الخيال وارتوى بالميتافيزيقا حتى ينهل من منابعها ويستوعب وجودها .. من هذه الرؤية منطلقنا للنّص .. هذا النّسيج الذي يبطن أكثر مما يفصح .. يقول وكأنّه يستعدّ للقول .. لنشهد معه بلاغة جديدة وهي بلاغة الغموض لا بلاغة البيان .. وأول ما يطالعنا في هذا النّسيج الممتد العنوان الذي يعتبر بمثابة المبتدأ الذي يخبر عنه المتن الشّعريّ .. وقد ورد مركّبا إسميّا بالتّمييز المميّز "أميرة " وهو ما يحيل على السلطة والجمال ورفعة النّسب مما يجعلنا أمام حبيبة مفترضة أو هكذا يوهمنا صاحبنا .. والتّمييز "من أوروك" مركب بالجر يوحي بالانتماء للمكان ف "أوروك" مدينة سومريّة قديمة حكمها "جلجامش" لفترة طويلة .. وهذا ما يجعل النص ينفتح على الأسطورة منذ بدايته .. لقد ورد الاسم نكرة رغم ما أوهمنا به الشّاعر من محاولة تعريفه بنسبته إلى المكان ممّا يجعلنا أمام صورة غامضة لهذه الأنثى .. هنا قد تكون هذه الأميرة ضحيّة من ضحايا "جلجامش " وهوالبطل الأسطوري بثلثه الإلهي وثلثيه الإنساني هذا الذي عاش حياة اللهو والبطش والعبث فما ترك ابنة لأبيها ولا حبيبة لحبيبها كما حدّثت أساطير الأوّلين ..أو قد تكون صورة أخرى مغايرة تماما ينشئها الشاعر من فكره ووجدانه .. صورة يبتدعها ابتداعا عبر خطابه الشّعري .. لهذا فالإشكال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أيّ مدى وظف الشاعر الأسطورة ؟ وهل كان وفيّا لها في هذا النّص ؟
قد تكون الأسطورة تلك المادة التّراثيّة التي مثّلت مرحلة من مراحل المعرفة الإنسانيّة في دهشته الأولى أمام الواقع والوجود وتفاعلت معطيات الحواسّ والفكر واللاّشعور بالطّبيعة وما وراء الطّبيعة لتجسّد هذا التّفاعل فنّيّا .. ولكن ما نقف عنده في خطاب الشاعر الفيّاض نصّا آخر ومادّة أخرى وإيمانا مختلفا بقناعة التوظيف الأسطوري .. فلا نجد في الخطاب ما يدلّ على التزام بالنّص الأسطوري الأصل .. ولا ما يحيل على استكمال لقصّة بعينها وإنّما هو شيء آخر ورؤية مخالفة .. إنّها مجرّد شظايا وشذرات من عموم التراث القديم يلتقي فيه الأسطوري بالدّيني والتّاريخي بالواقعي ليختزل هذا الخطاب رؤية مخصوصة غاب فيها التفكير الجمعي والتّراث الجماعي فيحضر خيال الشّاعر الجامح ليبتعد بهذه الرّؤية عن قيود الحقيقة التّاريخيّة والقداسة الدّينيّة والعجيب الأسطوري إلى رحابة الـتّشكيل الفنّي الخيالي . ليعلن العقل إفلاسه أمام جموح الخيال فيستحيل التّراث رموزا ومشاهد جزئية يشيع في ثنايا الخطاب تفقدها التّماسك في الظّاهر .. و تلك لعبة الشّاعر حين تهيئ صوره لعنصر الدّهشة وتستقطب القارئ الحصيف يحاوره ويفكّ رموزه ويجعل من فوضى الصّورة نظاما شعريّا متماسكا ومن تشتّتها وحدة وانصهارا .. فتغدو الأسطورة والتراث عوالم يشيّدها من ذاته ، تحمل العديد من المفاجآت فتتوقّف عن كونها مجرّد زخرف فنّيّ ليستلهم روحها ويجعلها بوابة يلج من خلالها إلى عوالمه الخاصّة .. وأوّل مظاهر هذا التّصرّف في التّراث هذه المزاوجة الطريفة بين النّصوص الغائبة .. رغم اجتماعها في سياق بهويّة سرديّة باعتباره صوغا حكائيّا يختزل تجربة مخصوصة .. لكنّ الفارق مع هذا النّص أنّ الفعل السّردي يتجاوز الزّمن خلافا لما حدّده "بول ريكور" في قوله في كتابه (من النص إلى الفعل ص 8) " كل ما نحكيه يحدث في الزمن ، يستغرق زمنا ويجري زمنيّا وما يحدث في الزمن يمكن أن يحكى " ولكن يبدو أن خطاب الشّاعر ذا لغة وفكر أكبر من العبارة لذلك فهو يلتجئ إلى تنسيقات ميثيولوجية قد تستوعب رؤيته للواقع ورؤاه .. لذلك فالشّاعر عبد الجبّار الفيّاض يتجاوز مفهوم الزّمن إلى اللاّزمن ليحلّق بنا في عوالم لا كالعوالم .. عوالم لا يدخلها غيره حين :
يبحر في سفينة مثقوبة شاطئ
لا يصله إلاّ الغرقى
فنجوبها بأخيلتنا دون أشرعة ، لأن أوساعها السّرمد واللاّنهاية حين الأساطير الأولى وأزمنة المرسلين .. بهذا فهو يستند إلى لازمنيّة الوجود ولا واقعيّة التّخييل ولا مرجعيّته التّاريخيّة .. يحاول من خلالها إبداع حبكة تحاول أن ترصد تجربته الشّعريّة وفق رؤية مخصوصة تقوم على ثنائيّة الحلم والرّؤيا لتكون وسيطا فنّيّا يطلّ به على عالم الواقع فيعيد توصيفه وخلقه من جديد .. بهذا لابدّ لنا بدورنا أن نمارس لعبتنا على النّصّ وفق نسق تناظريّ للعبة الشّاعر فيه .. ولعلّنا نمسك بجانب من تلابيبه المبعثرة بين جنباته وبناه وهو عنصر الصّورة .. وأساسا صورة الأنثى فيه .. فمنذ الإطلالة الأولى يوهمنا بخطاب غزليّ تحضر فيه الأميرة معشوقة مشتهاة تصيب عاشقها بلواعج الصّبّ وتفنيه شوقا :
كم مشتهاة حوريّة العري الأوّل
يحرّم على نفسه البوح الممنوع
( .....)
ليس بيني وبين جنون سوى غمزة طرف
يا أهل من جنّ به
هنا تنبجس جملة من المعاني الغزليّة يختزلها الخطاب ومنها صورة المعشوق التي أقيمت على معاني الجمال والشّهوة مقابل صورة العاشق التي استحضر فيها معنى الجنون .. فهل يمكن أن يستعير الشّاعر الخطاب الأسطوري ليخدم الخطاب الغزلي أم أنّ الخطاب الغزلي مجرّد واجهة تجعل من القصيدة صورة استعاريّة كبرى للحياة والوجود ؟ وما حقيقة هذه الأنثى وكيف يتشكّل الفلسفي من الأسطوري في النّص من خلال كل من العاشق والمعشوق إذا سمح لنا السّياق بإعطاء صفة لكليهما ؟
لقد حضرت صورة ال"أنا" المتكلم في الخطاب لتقترن بصورة الزّمن الدّالّة على الإطلاقيّة لتتشكّل من خلالها صورة ال"أنا" فلا حدود لزمن تاريخي ميقاتيّ بل هو زمن فنّيّ يعلن فيه عن عناصر تشكّل الوجود وملحمة الخلق الأولى .. فيرتبط السّياق الشّعريّ بزمن البدايات الذي يتأكّد من خلال قرائن زمنيّة "منذ أن نحت الزّمن نصفي .." ، "كنت أزوره .. " فترتبط الكينونة بالزّمن الماضي البعيد والمطلق .. ولكنّه يتواصل إلى اللاّنهاية حين يقف المتكلّم " مشروعا لنحت آت " إنّه متكلّم يمتدّ عمره من زمن البدايات اللأولى إلى اللاّنهاية .. قد يكون الإنسان المطلق في هذا الوجود بهذا التّعبير .. وهو الإنسان المريد والفاعل باعتباره طاقة صعّادة يتجاوز حدود النّسبيّة إلى الفعل الخلاّق لملء الكيان بالجهد و"الكسب المنحوت "على حد تعبير أستاذنا محمود المسعدي .. فيكون بذلك بطلا وجوديّا في تمرّده وتوقه .. ولكنّه يظهر في سياق آخر من النّصّ مقدّسا يحمل صفات الآلهة :
أمردوخ أنا
يحمل غيوم الشّتاء مظلّة تحجب قرص الشّمس
يغسل قدميك رذاذها البكر
هنا قد يتحدّد لنا السّياق الأسطوري مرّة أخرى من خلال حضور شخصيّة "مردوخ" وهو "نمرود" باللغة العربيّة .. كبير آلهة قدماء البابليين ، سمّي المولى الأعظم ، مولى السّماء والأرض .. أعطِي الملٌك الأبدي بين كل آلهة السّماء حسب ما جاء في الأساطير وتميّز بالحكمة في مواجهة الشّر .. وفي ارتباط الاسم بالاستفهام الإنكاري قد تتجذر هذه الصورة ضمن سياق فلسفيّ ينظر إلى الإنسان نظرة تأليه فقد يكون بطلا نيتشويّا في إيمانه بعظمة الإنسان الأرقى وقدرته على بلوغ مرتبة الإله ونظرته التحفيزيّة إلى الحياة .. وهي أساسا صورة الشّاعر أو ال"أنا الأعلى " فيه هذه ال"أنا" التي تتحمّل هموم الجماعة ووزر الواقع وهذا ما يؤكّده السّياق الشّعري :
القصب
البردي
يرقصان رقصة عناق لسومريّ
سلب شراعه قرصان ريح يموسقانه لحنا بمزامير
ما نفخ فيها من قبل
وهو أيضا "ديموزيّ" حبيب عينانا أو إينانا في الأساطير السّومريّة وهو تموز عند البابليين حبيب عشتار إلهة الحب والجمال والخصب ، حسب ما جاء في "الويكيبيديا" .. هو عشق يتوج بالزواج لتتجدّد الحياة بزواج إلهة الخصب بإله الرعي :
تتوسّده عشتار خمرة من غير كأس
أنجبا عشقا للكون
كتب فوق الطين أوّل قصّة حب
بلون أنفاس الفجر
يبدو أن شاعرنا بهذا الاستلهام للأسطورة يحكي أصل الوجود والإنسان وكأنّه يساير نظريّة "لابلاس " في نشأة الكون وتشكّل العوالم ..
أمّا الأنثى فقد ظهرت بدورها ضمن سياقات وصور مختلفة تجعلنا إزاء نفس الحيرة والتّفكّر.. ارتبطت في أغلبها بالخطيئة وغريزة حب الاثم ، من خلال سجل لغويّ دالّ على ذلك ( مشلول السراق خطايا ، خبث أفعى ، زوايا مظلمة ، الظّلام ، ثوبك المهزوم ، ألوان الزّلّة الأولى ...) ورغم هذا البعد الانتشاري للمعجم إلاّ أن الاختلاف واضح من حيث مرجعيّات الصّورة لنقف إزاء مرجعية دينيّة من خلال صورة القميص وقصّة يوسف وامرأة العزيز :
توخزها تهويمات عالم
كنت أزوره
بقميص ما قدّ يوما من دبر
إضافة إلى المرجعيّة الأسطوريّة في صورة الأنثى الأفعى التي سرقت الخلود من جلجامش .. ثم حوريّة العري الأول التي تتألق أمام شهوة الخلود .. هكذا ظهرت الأنثى في القصيدة تغزل "الأحلام صورا بألوان الزّلّة الأولى .. محرابا لصلاة الشّيطان .. مثقلة بنزق مدنّس .. برغبة ثملة .. هي أنثى قاتلة عن عمد في مقبرة الحسن .. إنّها أنثى تبحث عن حبّ رسولها هدهد ناطق برغباتها وهواجسها .. لعلّها صورة لبلقيس ملكة سبأ يناظرها النبي سليمان ليكون عاشقها المتكلم في الخطاب قد امتلك سلطة الإنس والجنّ : إنّها صورة عشق مترهّلة في زمن مترهّل وشخوص مترهّلة .. فمن تكون هذه الأنثى ؟ وهل يمكن أن يتحوّل الخطاب الغزلي إلى مثل هذا القبح ؟ قد تكوّن هذه المشاهد الجزئيّة صورة ومشهدا متكاملا هو أشبه بالحلم .. شذرات خاضعة لمنطق الإستطراد أو لعلّه ضرب من التّداعي الحر للأفكار .. إنّه تشتّت قد يعكس تشتّت ذهن الشّاعر وتبرّمه من واقعه . وهذه الخطيئة التي تلبّس بها الخطاب ليست سوى مرآة عاكسة للرّاهن الآسن بالأوحال ، لذلك فالأنثى في النّص قد تكون صورة للطّبيعة البشريّة العارية من كل ثقافة ، المارقة من عيون الخطيئة إنّها الطبيعة الأولى للإنسان وتراجيديا الخطأ المقصود بعبارة الناقد المسرحي "نيكول" حين يقع الإنسان في حمأة الألم والوضاعة ليلوّن الوجود بألوان الوضاعة والاثم والرّعب . ولعل الشاعر بهذا التوظيف للنّص الغائب حمّل خطابه إسقاطاته التّاريخيّة وواقعه لاجتماعي المشوّه ليكون الخطاب بمثابة التّنفيس عما تبطنه أعماقه من رفض وتبرّم . أفكار تلفظها النّفس النّاطقة في لحظة مخاض .. لحظة يحتشد فيها الوجدان من صرير الزّمن القاهر والواقع المضمّخ بالنّحور .. إنّه صوت سومريّ أعيته الفواجع وأرهقته الحروب بات يبحث ويتأمّل الواقع من زاوية جديدة مختلفة ترى في الوجود الإنساني خطيئة . أو ربّما ارتبط بذلك وهذا الإقرار هو المعادل الموضوعي للشّعور بالغربة وهو معنى يتأكّد في النّص من خلال صورة سفينة الهروب من السّلطان الجائر وهو جاجامش في الخطاب الأسطوري الذي يرمز إلى الضمير الإنساني الذي تبلّد بالشّر وتطبّع بالخطيئة .. كما ظهر في صورة السّيجارة التي ترمز إلى المعاناة والشّعور بالضّياع :
قبل أن يتلاشى موتا
أعود لزقّ سيجارتي
أحرقها
تحرقني
هكذا تاريخ البؤساء رمادا يكون
هو تاريخ البؤساء ولكنّهم آثمون لأنّهم من رسموا رحلة تيههم ، هم جماعة من الآثمين والخاطئين والنّازفين والسّائرين إلى الوراء .. إنّه مصير فاجع يتأسّس على معاني الخيبة والفشل وهنا تتأكّد قيمة الأسطورة في دعم معاني النّص بل إيقاعه أيضا .. وهو إيقاع حزين متمهّل .. ندركه من خلال حركة الخطاب الخارجيّة التي يدعمها الحضور السّردي الحكائي ، ممّا يجعلنا أمام تجربة شعريّة دراميّة يعبّر من خلالها الفيّاض عن ذاته في علاقتها بالواقع والحياة . ثم يرتفع بمعاناته ومأساته إلى مستوى المعاناة ومأساة الإنسان في الكون .. هكذا هي تجربة الشّاعر في قصيدته أو في شعره عامّة .. رؤية مخصوصة للفنّ والوجود .. حاول التّعبير عن رؤاه بمنظاره الخاصّ .. انطلق من لاواقعية التّخييل ليعبّر عن واقعيّة التاّريخ عبر حبكة أبدع فيها ليجعلها مرجعيّة للقول الشّعري قادرة على استيعاب الواقع ومشكلاته ثم توصيفه وإعادة خلقه من جديد .. ولعلّنا نتفق في هذا السّياق مع ما حدّده بول ريكور في كتابه "من النّص إلى الفعل" في اعتبار "أصالة النّص تكمن أساسا في شيئه اللاّمحدود ..
:النص
إميرةٌ من أُوروك
منذ أنْ نحتَ الزّمنُ نصفي
وأنا أقفُ
مشروعاً لنحتٍ آتٍ
يحجبُني عن التيْهِ خيطٌ من تردّدٍ مشلولِ السّاق
خطايا
توخزُها تهويماتُ عالَمٍ
كنتُ أزورُهُ
بقميصٍ ما قُدْ يوماً من دُبر !
تنسلُّ بخُبثِ افعى صوبَ زوايا مُظلمةٍ
أُريدُها كذلك !
الظّلامُ
كهفٌ لا يَشبعُ من نومٍ
عيونٌ
تجمّدَ فيها الصّمت
كم مشتهاةٌ حُريّة العُريّ الاول
يحرمُ على نفسهِ البوْحَ الممنوع . . .
. . . . .
ليستْ دوماً كما هي الاشياء
سيجارة
تحرقُ ملفوفَها وملفوفي معاً
ما كانَ يُبعثرُني
يجمعنُي بلحظةٍ واحدةٍ
لا أعرفُ إنْ كانَ قلبي يساريّاً بعدُ
سفينةُ هروبٍ من سُلطانٍ جائر
قهوةٌ
مراراتٌ تذوبُ بأخرى
لا بُدّ لسُكّرٍ من مرارةٍ
دائرةٌ مغلقةٌ
لا يدخلُها غيري وصندوقٌ أسود !
. . . . .
وتأتينَ
أميرةً من أُورُك
أحرقَ ثوبُكِ المهزومُ من ثماركِ الدّانيةِ وسادةِ اللّيل
تشافهتْ أوتارُ قيثارةٍ نغماً في موكبِ فتنة
تهدينَ عينيْكِ صوراً
من هنا وهناك
إلآ هذهِ البقايا مِنْ أمْسِكِ الهاربِ من وجْهِهِ
كأنّكِ ما غفوْتِ يوماً على جمارِ غبائِه
تغزلينَ الاحلامَ صوراً بألوانِ الزّلةِ الاولى
محراباً لصلاةِ الشّيطان
ما راودَكِ لهاثُكِ لدفءِ رجولتِه
تنتفخُ شفتاك جنوناً من شبقٍ مجمرةَ احتراق
قبّتاكِ
صبحٌ يعتذرُ
أنْ يلفّهُما بغلالَة
هما حرّتانِ لوجهِ الجّمال
. . . . .
أمردوخُ أنا
يحملُ غيومَ الشْتاءِ مظلةً تحجبُ قرصَ الشّمسِ
يغسلُ قدميْكِ رذاذُها البِكر
القصبُ
البرديُّ
يرقصان رقصةَ عناقٍ لسومريٍّ
سلبَ شراعَهُ قرصانُ ريح يُموسقانهُ لحناً بمزاميرَ
ما نُفخَ فيها من قبلُ
. . . . .
ديموزي
تتوسدُهُ عشتارُ خمرةً من غيرِ كأس
أنجبا عشقاُ للكوْن
كتبا فوقَ الطّينِ أولَ قصيدةِ حبٍّ
بلونِ أنفاسِ الفجر
فكانَ هذا المزروعُ على ضفافِ الآتي
باثقالِ نَزَقٍ مُندسٍّ برغبةٍ ثملَة
جوريّاً
ينفلقُ شفةً
يتكوّرُ حلمةً
حُسْناً
تستحييهُ أوراقُ التوت
لا تهبُهُ دنيا
ولو رجعتْ طفلاً
قبلً أنْ يفورَ التّنور . . .
. . . . .
لوّتْ اعناقاً
جمعَتْ حسنَها المُبعثرَ في حدقاتِ مَنْ رأتْ
لكنَّ العُيونَ تغمضُ
أرًقَاً
يُبحرُ في سفينةٍ مثقوبة شاطئٌ
لا يصلُهُ إلآ الغرقى
أيّتُها الاشياء
اشهدي أنّها قاتلةٌ عن عَمْد
صرعى
يهذونَ بنهاياتِ حروفِ العلّة
أهناكَ مقبرةٌ للحُسْن تحملُها أُنثى؟
. . . . .
الاشرعةُ
رجعتْ
ما الذي يثقلُها ؟
رُبَما
كانَ الهُدهُد رسولَ امرأةٍ تبحثُ عن حبّ
. . . . .
أخمدُ وهماً
يمسخُني ظلَّ جذعٍ خاوٍ لشجرةٍ عانس
ليس بيني وبين مجنونٍ سوى غمزةِ طرفٍ
يا أهلَ مَنْ جُنَّ به
عرايا في غابة
دعوا الحروفَ تخرقُ جُبنَ اللّسان
الصّمتُ انتحار
ما لزمنٍ مكانٌ
قبلَ أنْ يتلاشى موتاً !
. . . . .
أعودُ لرقِّ سيجارتي
أحرقُها
تُحرقُني
هكذا تاريخُ البؤساِءِ رماداً يكون
يعيشون
يمضون
فما بقيَ من الفتوحاتِ غيرُ اسمِ قائد
لعلهُ كانَ مُختبئاً تحتَ سيفٍ منهم
قهوتي
سكنَ في فنجانِها طالعٌ جديد !
. . . . .
عبد الجبار الفياض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق