الأحد، 24 فبراير 2019

دراتسة نقدية في المجمعوة الشعرية ( احتفاء بصباحات شاعرة ) / يوسف عبود جويعد / العراق ,,,,,,,,,,,,,,,,,

دراستي النقدية للمجموعة الشعرية احتفاء بصباحات شاغرة المنشورة في جريدة الدستور ليوم 24-2-2019
صباحات طلال الغوّار في ... احتفاء بصباحات شاغرة
دراسة نقدية 
يوسف عبود جويعد
وسط موجة الكتابات الشعرية، المتفاوتة في جودتها وبنيتها النصية, ومفردات الشعرية الحسية, وانزياحاتها، وأوزانها وقوافيها، وصورها، ورؤاها،وثيماتها، ووحدة موضوعاتها،حتى صار أمر الحصول على نصوص شعرية تمتلك الجودة العالية أمر يحتاج الى فحص وتمحيص وتدقيق ، ورغم وجود نخبة طيبة من الشعراء إمتلكوا ناصية التكوين الشعري وتشكيله وفق سياقه الفني الصحيح، وعبر مساره الصحيح النابع من وعي وخبرة ودراية الشاعر بإدوات بناء القصيدة، سواءاً كانت تلك القصيدة عمودية او تفعيلة أو نثرية، ولكل نمط من هذه الانماط أدواته الاساسية التي تشكل بناء النص،ولم يتوقف الأمر الى هذا الحد، فلا يعني إجادة بناء القصيدة الأمر الضروري الذي يتطلب من الشاعر إتقانه، وانما الأهم من ذلك هو ملاحقة موجة التطور الحاصل في تلك الانماط الشعرية، واللحاق بها والسير معها، وفي المجموعة الشعرية (احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، نحصل على هذا النموذج الذي ينتمي الى تلك النخبة التي خبرت فن صناعة القصيدة بكل إنماطها، فهو يقدم لنا القصيدة العمودية،وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، بشكلها وتكوينها وبناءها الذي يمنحها بكل جدارة روح الشعر وعالمه وكل ما يتعلق بتدوين القصيدة، ومن الجدير بالذكر وكما أشرت في جلسات أدبية متعددة،أن من يمر على صياغة القصيدة العمودية التي تعتمد على الوزن والقافية والبحور والايقاع والموسيقى، وكذلك من يمر على قصيدة التفعيلة، سيكون موفقاً تماماً في إمتلاك مقومات صناعة قصيدة النثر بشعريتها وإحساسها وإيقاعها وموسيقاها، لأنه قد نمى الذائقة الشعرية داخله وصارت المفردة إينما وجدت وإينما كتبت تمتلك هذا الحس الشعري العميق المتأصل والناتج عن تلك التجربة، وهكذا فإننا نجد في هذه النصوص هذه السمات التي منحتها صفة القصيدة الشعرية، كون الشاعر طلال الغوّار لم ينحرف من كونه شاعر لكل انماط الشعر، وأنه يستطيع تدوين أي نص شعري وفق متطلبات بناءه، حيث ما أقتضت الضرورة لذلك، هذه الثيمة، وهذا الموضوع، وتلك لإنثيالات الشعرية المتدفقة لايمكن أن تصل الا بقصيدة عمودية موزونة، وتلك الفكرية وتلك الانطلاقات الحسية الشعرية لايمكن لها الا ان تكون قصيدة نثر، وهكذا هو الشاعر يتحكم بأدواته التي تشكل بناء النص وفق ما يجده ضمن السياق الفني الصحيح، فتوافدت الى هذه النصوص الثيمات، والتدفقات الشعرية والهواجس الحسية الشفافة، لتتشكل وتتنوع وكأنها باقة ورد تحمل جميع الالوان وتعبق بكل العطور، حيث نجد طواف واسع وكبير لكل نواحي الحياة، وتداعيات كبيرة وكثيرة تتعلق بالحب, والشوق، والهيام، والوله،وكذلك نجد تداعيات الذات المنكسرة التي تتأسى على ما حل بنظام الحياة القويم، وفي البلد، وفي بغداد،وحتى في العلاقة الانسانية بين الرجل والمرأة، ويمر على الفساد والخراب، ويدعوا الى صباحات مشرقة ويتوق للوصول اليها، وهكذا فإننا سوف نشهد طواف متسع يحمل تنوع كبير، ولكنه لا يخرج عن واحة الشعر الاصيل الذي ينساب بإيقاعه وموسيقاه وهو يخرج من الوجدان ليدخل الوجدان، وها نحن نشاركه هذا الطواف، حيث نقف مع قصيدة (بغداد) التي حملت شحنة من الاسى والالم لما وصلت اليه:
أما آن لي
أن أكسر عروة مساءاتكِ
فأرى دجلةَ
تفتحُ أحلامها
في كتاب الضفاف
أما آن لي
أن ارى
جسرك الممتدُ من قلبي
الى رصافة أحلامكِ
يستعيد عشاقه
وفي القصيدة الشعرية القصيرة (شوق) نجده أيضاً يناجي قريته بعد عودة من غياب طويل:
كلما جئت قريتي
اقتادتني خطايَ
الى طفل ما زال ينتظرني
خلف شجرة
منذ خمسين عام
لكني لا أراه
كما أود أن أشير هنا الى أن خير من ينسج قصائد الغزل، والحب، والشوق،والانثيالات الوجدانية التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، هو الشاعر طلال الغوّار، كوننا نحسها إنطلاقة حسية عاطفية مفعمة بالاحاسيس الجياشة التي تتصل بهذا الجانب المهم، وهذا ما نجده في مطولته المرقمة (تشرقين في قصائدي)إذ نجدها إشراقة موفقة:
1
كلمّا
تهجّيتُ حبكِ
زهرةٌ
زهرةٌ
وقلتُ إنِّي وصلتُ اليكِ
أتّسعت أمامي
حقول المعاني
وغاب الطريق
16 –
لأنِّي أحبّكِ
كل صباح
أنحرُ بين يديك
قصائدي
20 –
أفتح أزرار بهاءك
وفي لغة الأصابع
أكتبكِ
قصيدة عارية
أما قصيدة (بلادي) فأنها تأخذنا بحس مفعم بالوطنية، ومملوء بالاسى في رحلة مع ما آلت اليه الحوادث في البلاد:
بلادي
شاحبةٌ وحزينةٌ
ليس سوى الخرابُ
يمشي في طرقاتها
وتنشر في مراياها الشروخُ
لم نعد نراها
كما هي في أعماقنا
لقد فخخوا فيها الصباحات ِ
وعن الربيع المزعوم نكون مع القصيدة الشعرية ( ربيع مدمى) الذي يضع فيه أمامنا هذا الربيع المزيف:
نبكي نجوماً كثيرةٌ
وملامحنا هاربة
كلماتنا لا يخرج منها غير الدخان
فتخط أوجاعنا
على صباحات مقطعة
ونعيش مع الليل والشاعر والقصيدة، في النص الشعري(قصيدة)
آخرٌ الليلِ
وحدها القصيدةُ
تصغي الى نزيفِ الكلمات
وتقلبني
حرفاً
حرفاً
كما لو أنها
تقلب تاريخاً طويلاً
من الجراح
بعدها نكون مع قصيدة (عناد) التي تستعرض أمامنا عناد الحبيب لحبيبته بلغة مفعمة بالاصرار:
سأظل ألوحُ لكِ
ياحبيبتي
بالصباحات العنيدةِ
الوّحُ لكِ
بالقصائد الجميلةِ
حتى تستيقظ
الأنهار
والجزرُ
النائمةُ تحت وسادتك
وفي قصيدة (إحتفاء بصباح شاغر) نكون مع اشراقة من صباحات الشاعر وهو يخاطب محبوبته:
في مرايا صباحاتك
أجدني وحيداً
وأنا أبدأ خطواتي
في طرق لا أعرفها
هل كنتُ أكتشف وجهي
كلمّا أوغلُ فيك بعيداً
كان للشجر نوافذ
تفتح اوراقي للغيبِ
وللأقاصي إيماءة
وهي تلحن أحزاني
وفي قصيدة (وحشة) نعيش الوحشة لفراق الحبيبة بنسق شعري متناسق وقصير:
أمسُ
رأيتُ الحديقةَ
تجهش بالغربةِ
في شجرة بلا ظل
كخطواتي
- كم كان غيابكِ قاسياً
ياحبيبتي
يبدو أن حالة الإنكسار النفسي الكبير الذي ألم بالشاعر عندما عاد الى قريته بعد غياب خمسين عاماً، فلم يجدها كما
تركها، ولم يجد حلم الطفولة فيها، ولم يجد أشياءه الذي تركها، كل شيء تغير وصارلا يشبهه، وهذا الحس الهادئ المؤثر كانت له مسحة محببة على النصوص الشعرية، حيث نجد حالة الاستغراب قد غلفت الصور الشعرية بدلالاتها المعبرة، وهذا ما يتضح لنا ونحن نعيش خيبته في قصيدة ( خيبة) :
حينما زرت قريتي 
التي لم أراها 
منذ خمسين عاماً 
رأيتني 
أهزُّ بجذعِ الذكرى
فتساقط طفولتي 
حلماً
حلماً 
وأنا أقرأ 
في حفيف الشجر 
أحزان الريح 
وفي قصيدة (شارع المتنبي) يضعنا الشاعر أمام حقيقة أن ليس كل ما يكتب شعر، بل أحياناً أنها محاولات شعرية فاشلة، وكأنه يخاطب هؤلاء الشعراء أين الشعر، ويشعر بالزهو كونه يجد أن قصائده وحدها تسير الى جانبه: 
في شارع المتنبي 
رأيت دخان الشعر 
يتصاعدُ كثيفاً 
لكن 
أين النار 
.....
في شارع المتنبي 
لم أرَ 
غير قصائدي 
وحدها هي التي 
تسير إلى جانبي 
ضمت هذه المجموعة الشعرية العديد من النصوص الشعرية التي تطرح عبر بنيتها النصية ثيمات كثيرة. 
المجموعة الشعرية( احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، رحلة شعرية حافلة بالعطاء الشعري الاصيل،حيث نجد فيها ما يروي ضمأنا من رحيق هذا العالم الرحب، وقدم القصيدة النثرية بشكلها الذي ينسجم وسياقها الفني الاصيل، مضيفاً اليها الحسية الشعرية الاصيلة، التي تنطلق من واحة الشعر لتستقر في ثنايا النص، وكان ذلك شأن الانماط الاخرى من الشعر التي ضمتها المجموعة. 
ن إصدارات امل الجديدة طباعة – نشر – توزيع – سوية – دمشق لعام 2017


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق