الخميس، 6 يونيو 2019

قصيدة " جرعة مشاعر" للشاعرة المغربية " فاطمة الشيري " رجفة عاجلة من نشوة اللقاء وألم الوداع بقلم : هاشم خليل عبدالغني- الأردن

قصيدة " جرعة مشاعر" للشاعرة المغربية
" فاطمة الشيري "
رجفة عاجلة من نشوة اللقاء وألم الوداع
بقلم : هاشم خليل عبدالغني- الأردن
وأنا أقرأ ومضات وقصائد الشاعرة المغربية " فاطمــــة الشيري" استوقفتني قصيدتها الرقيقة والجذابة (جرعة مشاعر)
ترسم الشاعرة بكلماتها الراقية العذبة والمؤثرة ، التي اختارتها بعناية لتعبر عن ســيل من العــواطف الإنسانية ، ترسم لوحــة شعرية غنية بالإحساس والمشاعــر. تـلامس الــروح والقـلـب ، لأنها تعكس شعوراٌ إنسانيا راقياً ، فالشاعرة نجحت ( في حياكة الكلمات لتصنع نسيجاً جميلاً.. كما الجمال نفسه ) .
جـرعة مشاعر.. عنـوان لقـصيدة تثير الأحـاسيس الناعـمة لـدى المتلقي ، وتثير لديه الشعور الذي يداعب الوجدان والعقل .
كما نحتاج لجرعة من الأمل ، فنحن أحوج لجرعة من المشاعر
هنالك نظرتان متضادتان نحو “الأمل”. فالنظرة المتفائلة يمثلهـا قول الشاعر العربي :
أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ
هذا القول الشهير هو بيت من قصيدة “لامية العجم” للطغرائي المتوفي سنة 514هـ والتي حــاكى بـها قصـيدة لامـية العــرب للشنفري الأزدي. أما النظرة المتشائمة فيمثلها قول الفيلسـوف الألماني فردريك نيتشه : ( في الحقيقة إن الأمل أسوأ الشــرور لأنه يطيل أمد عذاباتنا ) .ومن نافلة القول أن النظرة للــمشاعر تتخذ بعدا وأوسع وأرحب ، فهناك مشــاعر مكبوتة ، وأخــرى فائضة. مشاعر كاذبة ، وأخرى صادقة.
المشاعر الإنسانيّة الصادقة ، تتسم بالاحترام ، والتجرد من الأنانية ، والتضحية ، والمشاركة ،مشاعر حساسة مرهفة شديدة الشفافية ، تقوم على الراحة النفسية ، ، هذه المشاعـر لا تـفرض ولا تقبـل التسـول والـذلة وكما قـال شكسبير: " فـي حـياتك لا تتسول الحب ، ولا تفرض نفسك على العابرين ، فقط عش كريماً ، بذاتك ، لا تتوقع أن يقبل بك من قبلت به ".
فالمشاعر أيضاً لا تشترى بالشعر كما قال الشاعر المصري جمال مرسي في قصيدته الشعر والمشاعر :
" لو كان بالشعر المشاعر تشرى .. لملأت كُلّ الكون فيك قــصائدا
وقطفت من دُررِ القريض نفائساً ونظمت من زُهرِ النجوم قلائدا "
هــذه مقدمــة للدخول إلى أجواء القصيدة الجميلة " جرعة مشـاعر"جرعة مفرطــةٌ مــن المشاعــرِ ،خبأتها الشــاعرة بين السطور.. وكلمات مفعمة بالأحــــاسيس مــكتوبة بحبر الصـدق والوجد ..
في مطلع القصيدة تشير الشاعرة إلى احتسائها كمية ضيئلة من كحول الأحاسيس والعواطف النبيلة الــصادقــة ، هــذه الكميــة اليسيرة تركت أثرها على قلب الشاعرة ، فثمل الفــؤاد فأخــذتها النشوة من رجفة عاجلة وسريعة اعــترت جـسدها ، فاستـولـت على كيانها بقوة فجأة في وقت غير متوقع ، ودون سابـق انتظار
حـدثت هـذه الــرعشة وقـــت قصير في سنة من شرود وإغفاءة خفيفة .
تمضي الشاعرة فـي رسم ملامح تلك الـرعشة في لحظـة شرود وذهول ، فتشير إلى أنه كان يرتشف بشكل متتابع البقية اليسيرة من عسل تلك الــرعشة ، بمتعــة وتلذذ ، أفقدته سلامــة الإدراك والفهم ، فسقط نتيجة ذلك في غيبوبة كلما عاد لوعيه أراد العودة لغيبوبة الرعشة .
ونستذكر في هذا المقام ما قال الشاعر المتيم " قيس بن ذريح "
( وإني لأهوى النوم في غير حينه .. لعل لقاء في المنام يكون
تـحـدثنـي الأحــلام أنـي أراكـــم .. فيا ليت أحلام المنام يقين )
" جرعة مشاعر
ثمل الفؤاد
من رعشة
سطت فجأة
لحظة غفوة
ارتشف شهد طعمها
استمتع
غيبته عن وعيه
كلما استفاق
احتاج للمزيد "
بعـد جرعة المشاعر التي استقـرت في أذهاننا ، ( علاقة حب ناجحـة تـألفت بـها الأرواح .. وأرواح التـقـت فتـعـانقت بمـودة روحــية وجسدية ) ومــا رافقـها من مشاعــر ايجابية .. تـحدثنـا الشاعرة عن مشاعر مؤلمة رافقت مرحلة الغياب فتحول العالم إلى الأسود وفـقدت كل الأشياء معانيها ، لتنسينا حـلاوة الحــب الذي شعــرنا به سابقاً .
بكلمات حزينة مؤثرة تتحدث الشاعرة عن لحظة غياب الحبيب.. يشعر المرء بغضة وألم مضنٍ وغضب شديد ، غصة ومرارة أتت على بهاء العمر والتهمت نيرانها جماله ، رمت بزهرة العمر لحضن رياح هوجاء وعنيفة من المعاناة والتوجع الذي أوقعني فيه فخ الفراق ، فتركت القلب مكسوراً معنى ،
وكما يقال : ( آلام الفراق تشبه أعراض الجلطات ) .فهذه الآلام الموجعة بعثرت العمر بين أزقة ضيقة جعلته مضطرباً متحيراً
مـرتبكـاً ( فـراق الأحباب سقـام الألبـاب ) . كـأن مـرارة لحـظة الغياب رقدت فــوق وسادة ريح ناعــمة رقيقة ، زفتها بمــوكب عـرس لبلاط الشوق والرغبة للقيا الحبيب .
" لحظة الغياب
مرارة
التهمت جمال عمر
قذفت به لحضن...
رياح هوجاء
نثرت أوراقه
بين الزقاق تاهت
توسدت حفيفا
زفها لبلاط الاشتياق "
تؤكد الشاعرة " فاطمة الشيري " على أنها ( رغم الغياب ولوعته ) تستمد قــوتها وعـزيمتها من لهيب الأمل حباً ووجــداً
كما تستمد الأرض الخلاء المقفرة ، مـن رقصات مـطر تساقـط عـلى جسدها فمنحــها الحياة ، جــعلت الــجسد نقـياً منزها مــن الدنس وفــي رغبة ملـحة سترت هــذه القـطرات النقية عــورة الـجسـد وسقطت في ظـلام اشتــد ســواده ، قسمها نـور ساطـع وجعــلها قسمين في لحظة الوداع مؤلمة .
في المقطع التالي مــن القـصيدة ، تركـز ( فــاطـمة الشيري) على مفردات " الحلم ، الوجد ، الغيث ، القفار ، حلكة ، وميض ، كفن ، طهارة " فلا غرابه أن نرى هذه المفردات التي تبعث على الشجن والحسرة .. تهيئة للحظة الوداع القاسية .
" استمد من الحلم وجدا
كقطرات غيث تراقصت
على أرض القفار
طهرت الجسد
رغبة كفنته
انسابت حلكة
شطرها
وميض برق
لحظة وداع "
ما يميز هذا النص الشعري الرائع للشاعرة المغربية فاطمة الشيري ، النزعة الوجدانية ، والعاطفة القوية الصادقة ، والعبارة السلسة السهلة ، فقد نجحت الشاعرة في تجسيد ما يعتمل في صدرها من انفعالات مضطربة ومتحركة ، بأسلوبها الواعي الذي يجعلك تحس بجماليات النص وإيحاءاته .
قالت عنها الكاتبة " أمل عزيز أحمد " :
( إنها الأدبية اللامعة والقاصة والشاعرة التي أينما حلت توجت ملكه للإبداع.. فقد تألقت في القصة الومضة والقصة القصير. كما فاضت عطرا وشعرا متساميا للخلق الرفيع ) .. نعم إنها شاعرة العاطفة الصادقة .
السيرة الذاتية لفاطمة الشيري :-
الشاعرة من مدينة طنجة شمال المغرب . اشتغلت بمجال الـتربيـة والتعلـيم بعـد تـخرجها مـن مركز المــعلمات بالرباط. حاصلة على وسـام الاستحقاق الوطني من الدرجة الأولى سنة 2013 نـظير مـا قـدمته مـن خـدمات في مـجال التربية والتعليـم، عضو في مجموعة من المنتديات الأدبية والبيئية في مدينة سلا، الرباط، الـدار البيضاء .
شاركت في إصدارات جماعية عربية ومحلية منها : حـصـاد أنطولوجيا الققج غاليري للأدب" ، إصدار فـي سمـاء الإبـداع لنجوم القلم الحــر" ، "صدى الفصول" _ ، سنابــل مـن حبر قصص قصيرة جدا لمجموعة من المبدعين العرب ، حيوات رابطة القصة القصيرة جدا في المغرب .
من إصداراتها الخاصــة : معــيب شمسي ـ مجموعة قصص قصيرة جدا ـ أوراق خريفي أزهرت ـ شعر ـ تجرعت كأسي مجموعة قصص قصيرة جدا. ظل طيف .
شاركت في عدد من الملتقيات الدولية _ "القلم الحر" _ مصر "مهرجان شعر الحرية" _ سيـدي بوزيد _ "القـصيد الذهبي" _ تونس العــاصمة _ "احتــفالية اتحـاد الأدبــاء الــدولــي" _ صفاقس تونس _ ملتقى الق.ق.ج المغاربي الأول بالــجزائر .
كما شاركت في معظم الملتقيات الوطنية في المغرب .. للقصة القصيرة ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق