السبت، 17 أغسطس 2019

قصة قصيرة بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي / المارد الاسود / الجزائر ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

📚العنوان :المارد الأسود📚📚📚📚
قصة قصيرة بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي
__________________________
واقفة في شرفة بيت مهجور بمحاداة الواد الكبير ترقب مياهه الصافية الدافقة وهي تنساب بلا انقطاع وكأنها عصور من السخاء وفي الروح ترسم عوالم حالمة يزهر فيها الربيع وتتلالأ نجوم السماء ..ومن فينة لأخرى تبرق في ذاكرتها فصول حياتها مشوشة بظلال الليل ورعونة رياح الاجتياح التي بعثرت كل صورها وأوراقها في فضاءات من شجن ورماد ..يتوهج فيها الأمل دافئا يذيب صقيع الفتور والرتابة المتكدس على صدرها..وفي ذهنها تلاطمت ٱلاف الخواطر المتضاربة والأسئلة المحيرة التي لم تجد لها إجابة حول الأحداث الأخيرة التي عصفت بأمن الوطن..وجعلت سكان الأرياف ينزحون نحو المدن طلبا للأمن والسكينة..تدور في حلقة مفرغة دوامة من الشك والتوهم لا مخرج لها منها..سياج شائك يطوق روحها الوجلة..غير أن هدير المياه المتناهي إلى سمعها كان يقطع عليها خلوتها ويخترق جدار الصمت المريع الذي راح يتهاوى فوق ضلوعها ويتكوم في الحقول التي اصطفت بجانب الواد تغازله بخضرتها..
كانت أمل قد قصدت البستان الصغير لقطف بعض حبات التين الناضجة وهي تحضن ابنتها الصغيرة إلى صدرها بيد وتحمل سلة بنية حيكت من أعواد الخيزران باليد الثانية.. سارحة الذهن شاردة تتأرجح خواطرها بين مياه الواد المنسابة ورأسها الصغير وبالها مشوش كأنما تطحن فيه الرحى الأفكار والهواجس ..كانت ثمة أفكار غريبة سوداء قد تسللت إليه محملة بأوجاع الوطن ..المحنة الأخيرة التي عصفت به..والتي تدفقت منها رائحة الموت ومجار الدماء من كل حدب وصوب. وألقت بظلالها المبهمة في النفوس ..فبدت كل الأشياء حالكة غارقة في العتم..وعم الهم السواد الأعظم من الناس..يستفهمون عن حقيقة هذا الزحف اللعين ومصدره..لقد افتقدوا الإحساس بالأمان والطمأنينة..و تعالى ضجيج الوجل والعويل يعزف اللحن الخريفي الحزين..ذبلت أزهار الروح المتفتحة..ويبست براعم الامل واكفهرت السماء وحجب الضباب الرؤى عن البصائر..لقد أغتالت الأيدي الشرهة لعل الدماء كثيرا من المثقفين والفنانين وكبار الشخصيات..واغتصبت الحرائر وكممت الأفواه بقوة الرصاص والاختطاف..وبينما خواطرها تسبح في هذا العالم المرعب بلغ سمعها وقع خطوات تقترب منها بخفة وسرعة ..فتنبهت إلى الخطر المحذق بها ..فإذا هو المارد الأسود الذي كثيرا ما سمعت عن أخباره من جاراتها وأبناء قريتها..يقف أمامها كطيف رهيب قفز من العدم..فركت عينيها لتتبين الواقع من الكابوس ..وقع بصرها على الرشاش منتصبا في يده مصوبا نحوها..رفعت بصرها أعلى فرات القناع الأسود يغطي وجهه الذي لمعت منه عينان حادتا النظر تقدحان شررا كعيني صقر جارح قد أعد مخالبه لينقض على فريسته..ومن هول المشهد وقسوة المفاجأة ارتعدت فرائسها وتسمرت في مكانها ..وبعد هنيهة من الزمن لاحت أطياف أشباح خلفه بدت لها مشوهة الوجوه قد اشتعلت النيران في رؤوسها المحشوة بالحقد والكراهية ومكائد الشياطين..تشبه كثيرا وحوش الأساطير والخرافات التي كانت تحكيها الجدات في ليال السمر حينما كان يتحلق حولها اطفال الحي ..كانت الصور مشوشة متداخلة متماوحة ككابوس مريع اكتسح ليلها غير أن وقع الخطى والصياح المتناهي إلى سمعها جعلها تدرك هول المصيبة التي وقعت فيها..كانت ترتعش كأن بها مسا من جان ..راحت تضم ابنتها إلى صدرها بعنفوان وهي مشدوهة تحملق في الوجوه المرعبة المغبرة والعيون المحمرة الحادة النظرات..واللحى الشعثاء الكثة الطويلة وكأنهم قدموا من زمان الجاهلية الأولى أو فروا من السجون العتيدة التي تفنن سلطان البلاد في تشييدها..
تفحصها المارد بنظرات حارقة مخيفةراحت تلتهمها من أخمصي قدميها حتى أعلى رأسها ثم تقدم نحوها أكثر وأمسك بطرف خمارها وهو يكبر ويهلل وقال مخاطبا زبانيته: لقد ظفرنا بسبية..غنيمة مباركة ستكون قرباننا الليلة..ليباركنا الرب..ويزيد من نعمه علينا..ثم استدار خلفه إلى رفاقه متما حديثه:
ساقيد السبية وأعصب عينيها..سنأخذها معنا..ستكون ليلتي رائعة ..هذه الجارية ستكون خاصتي..
كانت امل سيدة جميلة بيضاء ممتلئة تسر الناظر وتشده نظرات عينيها الذابلة الحزينة..وحمرة خذيها تزيدها بهاء وطلاوة..وقد أضفى حجابها الأسود غموضا يدفعك لمحاولة استكشاف عالمها ومعرفة أسرارها..راح المارد يتأملها اكثر وهو يتحدث إلى أحد زبانيته ..يا أبا معاذ إذا ماتت السبية قيد اسمها بكنية السجينة الشهيدة واعطيها رقما في قائمة الضحايا..فنحن نؤسس لدولة عادلة تحفظ حقوق الجميع ..
وانطلق يقهقه في هيستيريا عارمة..
لم تكن امل تعي جيدا ما يدور حولها ..وقد مر أمامها شريط حياتها وذكرياتها ..استرجعت أيام الدراسة والتفوق وقصة زواجها ..وأمومتها ..وعديد محطات حياتها الهامة..ولم تجد فيها مأزقا أشد من خطبها هذا ..فحتى الشمس غاب شفقها الأحمر والظلام سيخيم قريبا ويحجب عنها نور الحياة وربما اقترب موعد حتفها ..تحملق واجمة من غير حراك ..تتفرس وجه المارد المحجوب وعيناه المحمرتان تقدحان شررا..وهو لا يتوقف عن القهقهة..ثم شرع يرقص ويضرب الأرض بقدميه ..ومثله فعلت بقية الأطياف الغريبة حين شكلت حلقة تدور حولها و تمارس طقوسا غريبة ..تتفوه بكلمات مبهمة وكأنما عثرث على الحجر السحري أو القربان الذي طالما بحثت عنه في الأساطير والخرافات القديمة..بينما ضحكاتها كالسهام والخناجر تنغرز في صدر امل التي ..أحست بدنو أجلها..فاعترتها رجفة راعدة تصبب لها العرق باردا من جسمها ..وتصاعدت أنفاسها وتسارعت دقات قلبها وبدأ الدوار يموج برأسها.. فأخذت الأشياء تتلاشى أمامها فإذا بها تسمع المارد يتلفظ باسمها قائلا :وأخيراً التقينا يا امل ..ربما لا تتذكرينني ولكني لم أنس هذا الوجه الذي احتقرني ذات يوم وهو يرفع حاجبيه بتعال وتعجرف عندما حاولت التقرب منه ..وهذه اليد التي رفضت أن تستلم رسالتي ورمت بها على الأرض باستخفاف شديد..لقد أهنت كبريائي امام صديقي وحان الٱن وقت الحساب..
كانت امل قد نسيت الحادثة التي لم تعرها أدنى اهتمامها ولا تتذكر منها شيئا..فأجهشت بالبكاء وفكرت في استعطافه بأن يخلي سبيلها وهي تتخيل مصيرها الفظيع على يد هذا المارد المخبول..الٱن فقط بدأت تستوعب مدلول الإرهاب الذي كثيرا ما قرأت عنه في الجرائد في الٱونة الأخيرة أو سمعت عن مخاطره في أخبار التلفزة ..
والمارد الأسود منتصب أمامها نشوانا يتلو تعاويده الغريبة دونما انقطاع...يرطن بلهچة لم تفهم أمل كلمة منها ..ثم مد يده ليقتلع الطفلة الباكية من حضنها..فمانعت واستصرخت بأعلى صوتها وأظهرت بسالة اللبوءة الجريحة..غير أن تهديده بتفجير الرصاص برأس الطفلة إن لم تسلمها له جعلها ترضخ لأوامره..استلم الطفلة وألقاها في السلة وقال سنتركها هنا كي لا تكشف تواجدنا بنواحها..ثم أخرج قطعة قماش أسود من جيبه ومد يديه ليعصب عيني أمل وفجأة انطلق دوي الرصاص قريبا منهم ..كان الجيش الوطني الشعبي قد نصب لهم كمينا بعدما تعقب تحركاتهم في المنطقة ..رمى المارد قطعة القماش وأطلق ساقيه للريح وخلفه زبانيته أرخت العنان لأقدامها ليتواروا في الغابة المحادية للواد الكبير ويبتلعهم ظلام الليل..
خرت امل ساجدة تحمد الله على نجاتها وإفلاتها من يد المارد بأعجوبة كأنها معجزة ..وتذكرت مشيئة الله ..وضمت ابنتها إلى حضنها واستدارت راجعة إلى بيتها في قرية الجناح التاريخية الصغيرة وقد تبادرت إلى ذهنها حكمة جدتها وهي تنظر إلى الواد:ما يبقى في الواد غير أحجاره..
____________________________
📝📝قصة قصيرة بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي..من المجموعة القصصية شطٱن المرٱة📝📝

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق