الأحد، 9 أغسطس 2015

( الشعرالعباسي بين الكلاسيكية والتجديدية )/بقلم د. فالح الكيلاني/ العراق

( الشعرالعباسي بين الكلاسيكية والتجديدية )
كتاب جديد
بقلم د. فالح الكيلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الشعر في العصر العباسي الاول
الشعر من اوائل الامور التي تتأثر بامور الحياة اليومية وما يكتنفها من تفاعلات واحداث وما يجري عليها ما يغير مسارها ومنهجيتها سلبا او ايجابا تبعا للاحداث و ذلك لان الشعراء هم اعلى طبقة في المجتمع البشري في احاسيسهم وانفعالاتهم النفسية والقلبية والفكرية فهي عالية سامية رقيقة لديهم تبثق مما يشعرون به من خلال تعاملهم مع الحياة ومع الاخرين والطبيعة ومع كل ما يدور بخلدهم ولما كانت الحياة في هذا العصر قد تطورت كثيرا فلا غرو ان الشعر تطور بنطورها ايضا فقد تطور تطورا واسعا تبعا لتطور الحياة ومنافذها واتجاهاتها . والشعر يدخل من كل المنافذ ويخرج باتجاهات شتى ويسمو في كل الاتجاهات وكانه شذى عطر عبق في مهب نسيم عليل . فقد اتسعت افاق واخيلة الشعراء - والشعراء اخصب الناس خيالا - أ لم يقل الله تعالى فيهم في محكم كتابه القرآن الكريم – ( وانهم في كل واد يهيمون ) – فازداد الخصب الشعري وتفتقت الاخيلة واتسعت الفنون الشعرية والاغراض المختلفة فيه في كل مدارج الحياة فظهرت اغراض وفنون جديدة لم تكن موجود ة في العصر الاموي وما قبله فنشأت هذه تبعا للتطور الفكري والحضاري فكانت هذه الشاعرية متأتية من التداخل والتزاو ج بين الثقافات العربية وغير العربية و من اجناس اقوام المجتمع العباسي حيث اختلطت فيه العربية بالفارسية والرومية والتركية وغيرها فكانت رافدا واسعا للحضارة العربية في هذا العصر وما بعده .
نعم لقد تطور الشعر بتطور الحياة وبهذا تطورت معانيه ثم تصرف الشعراء بمعاني واساليب الشعراء قبلهم وحللوها ووسعوا دائرتها وازادوا عليها او انقصوا منها تبعا لكل ظروف مجتمعهم و حاجته في تماشي حياتهم الجديدة واسلوبية المجتمع الانساني فيها فتطور التصوير الشعري وكثر الابداع فيه فوجد التشبيه وصوره المختلفة وكثرت المحسنات اللفظية ورقت المعاني ودقت واستعملت الفاظ جديدة ارق واسهل مما كانت عليه في العصور المختلفة قبله وقل تم استبدال الالفاظ البدوية والصحراوية بغيرها كما استعملت بعض الكلمات غير العربية ( الاعجمية ) في الشعر تبعا لهوى الشاعر واصله ان كان عربيا قحا او من الموالي واحسنوا استعمالاتها وصياغتها وربط الكلمات او الجمل العربية بها واصبحت تسمى – الفاظا معربة .
ومن المعلوم ان العصر العباسي مر باوسع نهضة ثقافية في تاريخ الحضارة الإسلامية، بتأثير التقدم الحضاري المستمر للمجتمع العربي تأثره بالثقافات المختلفة المحيطة به كالفارسية، والهندية، واليونانية والرومانية ا وبترجمتها الى اللغة العربية ، وانصهارها بالثقافة العربية من جهة وفي بوتقة الإسلام من جهة ثانية الذي أصبح حضارة جديدة شملت كل هذه الثقافات في كل البلدان .
وقد تأثر الشعرالعربي بهذه النهضة فتطور الكثير من جوانبه
إلا أن بعضه لم يشمله التطور في كل فنونه واساليبه وبقي تطوره عند بعض الشعراء محدودا لا يتفق والنهضة الشاملة لاغلب مرافق الحياة التي أحاطت به، ولا يتلاءم هذا التأثر مع جل الروافد الثقافية التي رفد منها شعراء العربية الا ان تاثير شعراء العربية من ذوي الجنسيات المختلفة كان اكثر .
**************************
الشعر و السياسة
ولو بحثنا عن اسباب هذا النمو وتطوره واختلافه بين شاعر واخر لوجدنا رجوع أن الشعر لم يُتح له أن يحيا حياة مستقلة ليتطور التطور الواسع الذي تساعده عليه الظروف المحيطة به حيث ان بعض الشعراء لم تُتَح لهم الحرية في هذه الحياة التي يعيشونها وبقوا يدورون في فلك صاحب النفوذ ينشدون له مايريد وحسب مشيئته ، فحُرموا الحرية التي يزدهر الشعر في ظلها، وجاء نتائجهم الأدبي صدى لما يريد هذا الحاكم او ذلك وما يصبو اليه .
أي بقي الشاعر تابعا لدولة الخلافة وسياستها وكان لهذا أثره على الشاعر الذي جعلته الظروف تابعاً لغيره وجعلت فنية شعره استجابة لما يريده الاخرون مع العلم أن هذا الشعر يحتل المكانة العالية في مجالس الخلفاء، بينما غيره من الشعراء لم يتح له الاقتراب من هذه المجالس والتمتع بما تفيضه من خيرات وهبات ، إلا إذا دس الشاعر عينيه على لا حماة اللغة وسدنتها الذين يحتلون الصدارة فيها. ولذلك كانت هذه المحافظة الشديدة لدى الشعراء حتى غير العربي منهم لأنه خشى أن يتقدمه الشعراء العرب الأقحاح، سواء أكان ذلك تصدر هذه المجالس التي يجب أن تظل العربية فيها قوية مزدهرة ، أم في ذيوع شعرهم وجريانه على ألسنة الناس، ومن أجل ذلك كان حرصهم على التعمق في سبر اغوار اللغة ، وانتقالهم إلى البادية لمشافهة الأعراب والمحافظة على الصورة المألوفة والمرجوٌ اصالتها للغة العربية ،و كما يريد لها علمائها الذين شعروا بالمكانة العالية التي يتمتعون بها، فاخذوا يبالغون ويتشددون في المقاييس التي يزنون بها الشعر، ولهذا بقي الشعر القديم الجاهلي او الاموي المثل الأعلى الذي وجب على الشاعر في من يحاكيه ويحذو حذوه، فأخذ ينظر إلى التراث القديم نظرة تقديس يصعب معها أي حركة للتطور الشعري فتغلق اغلب المنافذ الاتية منها رياح التجديد.
ان الشعر العربي في هذا العصر نتيجة لتطوره الواسع وافاقه المتسعة تأثر بكل التيارات والاحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية و تعكسه كل ما تراءى لها من امور هذا بالاضافة الى تطور الثقافة الشعرية .
كان من اسباب سقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية والذي له ابلغ الاثر في الناحية الثقافية والادبية ان الامويين اتبعوا سياسة التعصب للعنصر العربي الذي اعتبروه هو النسغ الصاعد او الناقل الحياة الى جسم الدولة المترامية الاطراف مما أ ّلّب عليها الفئات غير العربية التي اصبحت ضمن حدود الدولة الاسلامية المحكومة من قبلهم اضافة الى ذلك ان العرب انفسهم من اعداء الامويين من العرب مثل العباسيين ومنهم العلويين خاصة وضعوا ايديهم بأيدي هذه الفئات غير العربية وتحالفوا معها على اضعاف الهيمنة العربية على مرافق الدولة والعمل على اضعافها ومن ثم اسقاطها ومن اكبر هذه التحالفات – الفارسية العربية - حيث اخذ الفرس يشعرون بقيمة رد اعتبار سلطة الدولة الفارسية فاتخذوا من الاسلام ذريعة لذلك واخذوا يعملون على ا ضعاف العنصر العربي واتخذوا من العلويين والعباسيين شمّاعات يختلفون اليها في تعليقهم عملهم السياسي وشموعا لتنير لهم طريقهم في ذلك . وبدأت تظهر لديهم حركات سياسية سرية في بداية امرها و تحولت بمرور الزمن الى قوة عسكرية تحالفت مع من اراد الاستحواذ على هيبـة الـدولة الامـوية واسقاطـها لامـور يعرفـها الســا سـة المنصفون . وقد عرجنا على ذكرها قليلا لارتباطها بالثقافة الادبية التي شملت كل مناحي الحياة ومنها السياسة.
كما ان للمنازعات الحزبية والتعصب القبلي يد طولى في سقوط الحكم الاموي فتجمعت كل هذه الاسباب والاحوال على بغض العنصر العربي الاموي او ما سار عليه الاموييون اثناء حكمهم فتجمعت كلها بقيادة العباسيين وبمعاونة التيار الفارسي وقاموا بثورة انطلقت شرارتها من بلاد فارس لتقضي على الامويين وتسقط حكمهم ولتقوم الدولة العباسية الجديدة الفتية سنة \ 132 هجرية.
قامت الدولة العباسية في العراق اثر سقوط الدولة الاموية في الشام وكان للفرس اثر عظيم وكبير في قيام الدولة الجديدة وفي سياستها وشؤونها وقد ادى ذلك الى تدخل الفرس بسياسة الدولة وقيادتها وقد ادى ذلك الى اقتباس الكثير من النظم والعادات والتقاليد الفارسية التي حلت محل العربية واخذ الناس في تقليد الفرس في اشياء كثيرة فادى ذلك الى هيمنتهم على بعض المناطق وخاصة في بلاد فارس والثغور الشرقية للدولة الاسلامية فضعف النفوذ العربي وقل تدخلهم في شؤون الحكم والدولة التي اصبح الكثير من رجالاتها وقادتها من الفرس واصبح العربي الذي كان يأنف ان يعمل في بعض الاعمال الحرة التي كان العربي يحتقرها ولا يزاولها الا مكرها طلبا للعيش والبحث عن لقمة تسد رمقه.
و لقد ضعف النفوذ الفارسي في العراق ( دولة الخلافة العباسية ) بعد ان استتب الوضع الحكومي و نتيجة قوة الخلفاء العباسيين في الصدر الاول للخلافة العباسية كالمنصور بقتله ( ابو مسلم الخراساني ) والرشيد بنكبة ( البرامكة ) وضربهم الحركات المجوسية التي ظهرت في وقتهم والقضاء عليها – الا انها انتعشت من بعدهم بعد الرشيد وهؤلاء الخلفاء كانوا من اسباب ضعف العنصر العربي في الدولة العباسية بسب زواجهم ازواجا فارسيات وتركيات او روميات فكان اولادهم منهن يميلون كل الميل الى اخوالهم وهذا ما فعله الخليفة المأمون اذ ان امه فارسية حيث قرّب الفرس واعتمد عليهم في الحرب و القضاء على اخيه الامين ( ابن العربية ) وقتله وتسيير د فة الحكم وما فعله المعتصم من بعده و امه تركية اذ قرب الاتراك وتسيير دفة الدولة فيهم مما طمّع هؤلاء وهؤلاء في السيطرة على الحكم بحيث اصبح الخلفاء العباسيون ضعافا من بعدهم بتصرف السلاجقة والبويهيين وجعلوا هؤلاء الخلــفاء كأدوات شــطرنج يتلاعبون فيهم وفي مصائرهم كيفما يشاؤون وظهر التطرف التركي اوالنفوذ التركي بدلا عن الفارسي وظهرت سيطرة الاتراك على الوضع السياسي وربـما الاجتـماعي والثقافي ايضا وساءت حالة المواطن العربي في وطنه في هذا الدور حيث لم يبق للدولة هيبة غير الخلافة وبالاسم والرسم فقط. وكذلك الحال في العصر البويهي .
هذه وغيرها ادت الى تغيير في وجه الشعر العربي حيث ارتفع
صوت الشعر السياسي ضد الامويين ونعي حكمهم المنهار كما تمثلت العصبيات القبلية بين العرب انفسهم واستعر اوارها بين قيسية ويمانية وعدنانية وقحطانية كما ظهرت حركة ( الشعوبية ) قوية جدا. وادت هذه الاحوال الى ظهور خلافات واسعة بين الهاشميين انفسهم وخاصة بين العباسيين والعلويين وصلت الى حد المقاتلة والعصيان والكراهية كما ظهرت الخلافات العقائدية والدينية المذهبية بين الطوائف والنحل المختلفة أي ان الفرقة وصلت في كل شيء نتيجة التوسع الطامي في الدولة الاسلامية وكان لكل فرقة او مذهب او عنصر او قوم او قومية ادباء وشعراء ورجال يقودونها ويحركونها سواء كانت حركات سياسية او دينية او عنصرية او قبلية او ثقافية..
ان الشعر العربي في هذا العصر نتيجة لتطوره الواسع وافاقه المتسعة تأثر بكل التيارات والاحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية و تعكسه كل ما تراءى لها من امور هذا بالاضافة الى تطور الثقافة الشعرية .
ومن جانب اخر عنى الخلفاء العباسيون في الثقافة عناية كبيرة وبذلوا المال بسخاء لتطويرها واغدقوه على الشعراء والادباء والمفكرين وذوي الالباب والعلوم والثقافة بحيث تطورت كثيرا وكانت المنافسة بين هؤلاء واسعة وشجعوا الترجمة من اللغات الاجنبية الى العربية فكانت رافدا جديدا يصب في بحر اللغة العربية فاتسعت الافاق وتبارى الرجال في السباق في ميادين العلم والثقافة والادب واللغة والدين فكان لذلك الاثر الكبير في قيام ثقافة عربية واسعة في هذا العصر ما زالت لحد الان تعد مفخرة من مفاخر الامة العربية وعصورها الذهبية .
*********************
يتبع
اميرالبيان العربي
د. فالح نصيف الكيلاني
العراق- ديالى - بلدروز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق