السبت، 19 ديسمبر 2015

النهرُالميّت/ قراءة نقدية  بقلم :/ صالح هشام /المغرب شعر :/عبد الجبار الفياض /العراق...

النهرُالميّت
قراءة نقدية
بقلم : صالح هشام /المغرب
شعر :عبد الجبار الفياض /العراق
أنا قصيدة (النهر الميت ) سوادي هادئ هدوء مد البحر وبياضي كجزره ضعي
ف ،بياضي يمتص سواد ي ،دفقة شعورية : امتصاص البياض للسواد وتغليب هذا على ذاك ، هذا يعني أن نفسية الشاعر هادئة والهدوء مؤشر على الحكمة .
القصيدة ترفل في دمقس اللغة ، وتتزين بعقود الحروف الفاتنة السامقة ، تغويني ،تدعوني إلى افتضاض بكارة أسرارها على طاولة ذائقة شعرية وشاعرية متفردة ، ذائقة استحضر فيها عبقرية رواد القصيدة الشعرية في العراق الجريح من السياب إلى الجواهري ، رواد المدرسة الرمزية فهو لا يقل عن هؤلاء أهمية ، تحاورني القصيدة وتناقشني ، تنوب عن الشاعر الذي أنجبها واستأمن عليها قراءه ونقاده، فهم أولى بها منه :
-ماذا تريد أن تعرف أيها القارئ ، يا صائد الدرر والجواهر ؟
-كل شيء منذ أن أزالت حواء لفافة أوراق شجرة التفاح الممنوعة عن عورتها ومارست الإغواء في حق آدم المطرود إلى إحراق نيرون لروما إلى اغتيال لوركا ، إلى كبوة التاريخ العربي !
-أحزم حزامك وشد تلابيبك على ردفيك إذن سأردفك ،حصاني إنه جموح روضه معلمون كبار،لنتجول قليلا في عالم إبداعي المتفرد ،جمالي وضع أسسه (عيار الشعر) ،ومتباين كلامي ألفت بين اختلافه( أسرار الجرجاني ) كتابان إن لم تكن تعرفهما فإني سأكون عصية ،متمنعة ، قصية عن إدراكك هما من أجود ما ترك في النقدالمنهجي عند العرب وكما ترى: الشاعر الفياض كان أحرص على العمل بالنصيحة ( أجود الكلام : شدة ائتلاف في شدة اختلاف ) وها أنا كما ترى من أجود كلامه، جعل من فتنتي طعما لاقتناصكم أنتم القراء صيادو الجواهر في بحر اللغة الشاسع ! أنتم تريدون أن تحشروا أنوفكم في مستوري أنا القصيدة العفيفة المتمنعة عن ذوي اللغة الضعيفة ، جهال التركيب والإسناد والتعبير الرمزي ، الفياض اشترط علي أن لا أبوح لكم بأسراري ، أن لا أعطيكم بعضا من درري حتى تعطوني كلكم : فقط من كان جرجاني المذهب (سيابي "السياب ") الذائقة ! أن تدرك جمال( النهر الميت) يلزمك أن تمتطي صهوة التفسير و التحليل والتأويل فالشاعر ، ترك مساحة كبيرة من الخفاء والستر ليؤجج في نفسك حرقة السؤال وحب الاطلاع ، ويوقض في دواخلك أعشاش دبابيرالحدس و التخمين ،إذا لم يكن هذا أو ذاك، فإني لن أجيبك عن أي سؤال فتضيع منك متعة القراءة الكشافة والكاشفة لأسراري التي تستوطن بواطن السطور الشعرية، وتمارس لعبة التخفي كالحرباء !
أوصاني الفياض أن لا أخرج عن حدود الرمز والتلميح و كيفما تريده بالأسطورة ؟بالتاريخ ؟بالفلسفة ؟بالسياسة ؟، بالأدب وبكل مشارب الأمم والأقوام قديمها وحديثها و ستقف على حقيقة ما أقول !
فأنا القصيدة (نهر من الأسرار ، من الرموز من النصوص المتخفيه في هذا السطر أو ذاك ) بئر : فراغه سحيق، مارس لعبة السقوط من الهاوية لتظفر بحرف أبيض من حروفي البيضاء بياض التاريخ العربي ،إذا كان ذلك فإنك ستعرف إذن أسراري و أسرار غيري فأنا - القصيدة كنص أدبي- أحترف امتصاص النصوص الحبلى بالأسرار عبر مختلف العصور والأزمنة هذه النصوص كنوز مخفية كشفك لأسرارها يستوجب منك التبحر في خرائط لغتي الجميلة وتطويع الإحالة وتفكيك الرموز و التمكن من درري في جغرافية الكلام الفني الذي يراه صاحب ( أسرار البلاغة ) :(قول. راح السمع يسرقه أو يختلسه اختلاسا وهو يتنصت على النائي والعميق ) هي أسرار لا تقل أسراركم عنها أهمية ولإدراكها : مارس حقك في التأويل والتفسير الذي يضمنه لك انفتاحي على جميع قراءاتكم -معشر القراء والنقاد - وعلى مضض أقبل جميع التفسيرات حتى الغث منها أقبله لأنه يعبر عن مستوى أصحابه ،لكني لن أبوح بسري وجوهري أبدا لأن الشاعر أوصاني أن لا أبوح به إلا عندما ينتهي زمن الشعر وينقرض آخر قراء القصيدة ، و أن إفشاء أسراري الجوهرية حكم علي بالموت وإخراجي من دائرة القصيدة العالمية !
-فما تريد أن تعرف يا هذا عني وعن مضاميني ومحتوياتي ولغتي ؟ يسقط في يدي ويشكل علي الأمر وتتراقص حروفها أمام عيني براقة رائعة فترفل القصيدة كعادتها في دمقس اللغة وتحرك مفاتنها لتأخذ مني العقل قبل القلب أحار في أمري :
-فعل ماض ،فعل ماض منفي،جملة ناسخة منسوخة ، أتيه في فوضى اللغة فضاء فوضوي ،تهدئ القصيدة من روعي يا هذا :
- ما بالك ترتعد فرائصك ، الشاعر الفياض متكلم وأنا القصيدة كلام! اللغة فوضى قابلة للتشكيل ، والشاعر هنا سيختار من الكلم ما يصلح لبنائي وفق خلفيته الثقافية وتاريخه وظروفه الصعبة التي لا زال الجرح منها ينزف ! لا تخف أيها القارئ ،أردت أن نبدأ بتشكيل اللغة ،اطمئن الفياض سيخرج عن طوع لغة المنطق ،وسيكسر المألوف اتبعني (وحدة... وحدة ) وخذ نفسك ،جزاك الله خيرا فأنتم معشر النقاد تستعجلون أحكامكم ، فهو يخرق المألوف في اللغة ،من أجل خلق المألوف المثير للإدهاش والغرابة وكسر رتابتها وابتدالها ،وعندما تنجح في قراءة وفهم انزياحه ستشعر (بنشوة كنشوة الخمر أو طرب الألحان) أو نشوة الاتحاد والحلول في الشطحة الصوفية ،إنها رعشة لذة كشف المستور وإجلاء الخفي ،ألم أقل لك : إنه يتسلح بنظم الجرجاني في الترتيب وصناعة اللؤلؤ ، تذكر دوما : (شدة ائتلاف في شدة اختلاف )،وحتى لا أتركك تهيم على نفسك سأجعلك تبتلع حروفي ممزوجة بالعسل فإنها لن تؤديك في حلقك ، مارأيت قصيدة تمارس الغواية بهذا التأثير وهذا الجمال وهذا الذكاء ، أعتقد أن الشاعر فيه مس من الجن ، لكن ليس جن البحيرات الضحلة وإنما جن (وادي عبقر) ،ألم يقولوا (ألا ترى أنهم في كل واد يهيمون ) إذن ما ذا تريد أن أناقش معك :
-التركيب اللغوي أم التركيب النصي ؟! فياض اشتغل ليجعل مني قصيدة مميزة على التركيبين معا ونال الحسنيين بريق اللفظ وقوة المعنى ، . سنبدأ بالتركيب اللغوي ،ولك الحرية في الأخذ بمواقف ذوي العمائم الكبيرة المشبعة بعلم البيان والبلاغة العربية أو ذوي البدلات البيضاء والأحذية البراقة "كبارت "او "كولدمان" أو "كريستيفا "الشكلانيين" أو" إليوت" ربما تجد ضالتك في كتاب من كتب أحدهم ،شد حزامك وانتبه : هل سبق لك أن سمعت (بصحراء الوهم) ؟! وهل يمكنك أن تدفن (الأحلام الصغيرة )عند عتبة بابك ؟! وهل سبق لك أن رأيت( احدا يتنفس الموت) ؟!،وهل سبق لك أن رأيت( الظلام يفترش...) ؟! أضيف لك أمثلة أخرى أم يكفي هذا ؟! أسئلة كثيرة ستستفز منك المخ والمخيخ فكل سطر شعري يطرح التساؤل العريض ويلزمك بإيجادالجواب ، تختلط علي كبة الخيط وأبحت عن رأسه وأعصر صدغي وأمرن تلافيف دماغي على الحركة ، لكن لا أفقد تركيزي وأتيه في متاهات التركيب :
-هذا يا ولدي كلام مختلف ،كل كلمة لها لونها ، والألوان تختلف ،والشاعر كالرسام يريد أن يصنع لفرشاته لونا قرمزيا : يعول عليه في فنية خلط الألوان ،كما يعول على الشاعر في فنية خلط الكلمات وترتيبها ليحصل على أعجب الكلام ، فتتناغم المساحات وعجيب التراكيب يسل من النفس المتذوقة آهات الإعجاب والانبهار ، ويتولد ذلك عن تلك الدفقة الشعورية التي تمتص السواد وتمدد البياض ،فجدلية البياض والسواد أشبه بحمم البركان التي بدأت تهدأ بعد ثورة كما هو الشأن بالنسبة للمجموعة الأولى من السطور الشعرية. جمالي يكمن في جمع الشاعر بين كلمتين بينهما كبير اختلاف فيؤلف بينهما في سياق تستعذبه النفس وتجيزه الأذن ، فإسناد فاعل معقول محسوس إلى فعل محسوس إلى مفعول معقول ،هذا الإسناد هو الذي يسبب هذا النوع من تكسير المألوف في اللغة لخلق الغرائبية والإدهاش في النفس ،أما على مستوى التركيب النحوي فانه لا يعير المعاني أهمية (لا نريد أن ندخل في جدال الممكن والمحال والمستحيل ) وإنما يعتمد أساسا على مواقع الكلمات في جغرافية الكلام ! وترافقنا هذه الإ سنادات والتراكيب من البداية إلى النهاية مما يجعل مني قلادة في عالم الشعر المعاصر ! فماذا تريد أن تعرف أيضا عن جماليات التركيب في وبناء الجمل في لغتي ، اعلم ان الدفقة الشعورية للشاعر تعمل بشكل أو بآخر على التأثير في عملية التركيب في الجملة على مستوى إحصاء رصيدنا من الكلمات في كل جملة شعرية ، ويساهم كذلك في نشاط جدلية البياض والسواد على مستوى المساحات ولننطلق من هذا المثلث (المجموعة الأولى من الكلمات ) الذي يعتمده الشاعر كتعبير عن مدى تأجج عواطفه ، يبدأ من كلمة / فعل"دارت" وتنمو الجملة من سطر شعري إلى آخر إلى أن تصل إلى دروة السواد فتعود إلى الفتور بشكل تدريجي لتصل إلى الكلمة الواحدة ،كحمم تعود إلى الفتور بعد هيجان ، تبدأ المجموع الاولى من السطور الشعرية من (دارت / صغيرة ) وتستمر الدفقة الشعورية كالحمم لكن بعد فتور ! وهذا الفتور يستبطن ، حكم نصوص أخرى نشتم رائحتها من خبايا هذه الفسيفساء النصية ، التي تومض وتخبو من خلال تلك الإضاءات التي يعتمدها الشاعر كما سنرى في تحليل التركيب النصي ، أنكتفي بهذا أم أزيدك هذه إشارات لأساعدك علي التحليل أما الغوص في أعماقي فهو مسؤوليتك كناقد . ويستمر الشاعر ، يمارس لعبة التوفيق والتأليف الفني بين كلمات النص ، وهي تومض وتخبو كضوء تلك الحشرات في ليلة عز فيها ضوء القمر . والمقصود بالتوفيق هنا هو جمع أعناق ما اختلف من كلمات في باقة مؤتلفة كأ عناق الزهور وهذا كله من أجل إمتاعك أيها (القاريء/ الناقد ) ولعل هذا التركيب العجيب على مستوى اللغة هو الذي بإمكانه أن يضمن الانزياح على مستوى التركيب النصي والذي نقصد به الدلالا ت والرموز ومختلف التضمينات التي يوظفها الشاعر ، سواء كانت تاريخية أو أسطورية أو أدبية ، المهم أن يحصل التضمين والرمز والتناص ،لتحصل أنت على متعة القراءة وتفكيك الرموز ، واعادة بنائي في ذهنك ، وحسب قدرتك على التحليل والتأويل والتفسير ، فأنا القصيدة حبلى بالنصوص التي تتعدد المصادر التي يمتح منها الشاعر الفياض ، لكنه اكتفى بالإحالة فقط وترك لك حرية التمييز اذا كنت تحسن شم الروائح هذا الوميض النصي ينتظر منك أنت الناقد كشف المستور واستجلاء خفي الخفي ، في النص ،ولك أن تتحرك فالمساحة مفتوحة و قبل التغلغل في أعماقي ، و معانقة عجائبي وغرائبي عليك أن تعرف أن الشاعريحرص على أن يتوفر فيك شرط المعرفة والاطلاع حتى لا تشوه الصور الشعرية التي رسمتها ذائقته الأدبية ،فإذا كان ذلك فغص في ثنايا اللغة وحلق وراء السطور واكتشف أني كخلية النحل أعج (بالنصوص / العسل ) فكل إشارة في النص تخفي وراءها مآسي إنسانية بالغة الأهمية عبر التاريخ ، فماذا تعرف عن (أوديب ) ،وماذا تعرف عن لعنته ، هل تعرف كيف نزع لعنته ؟ ، في عرفكم أنتم زنا المحارم لعنة ، لكن لعنته أكبر من لعنتكم لأنه كانت له الشجاعة فاختار أن يكفر عن ذنبه بأن يفقأ عينيه ويفترش ظلامه النقي ، ويحكم على نفسه بالظلام الأبدي ، تساعده ابنته (أنتكون ) على التخفيف من محنة الظلام ، ألكم أنتم الجرأة على فقأ عيونكم وأنتم لا تمارسون فقط زنا المحارم وإنما تمارسون اغتصاب الشعوب المقهورة عبر التاريخ ، أعرف ليست لكم الجرأة على ذلك ، الفياض يعطيكم نموذجا لعذاب الضمير البشري ولكم من الإسقاطات ما تريدون وتحبون ، فهلا اتعضتم ؟! هو أديب إذن رمز لكم أن تفكوا عقاله ، أن تنصفوه ، فهل أخطأ أديب في قتل أبيه وممارسة زنا المحارم أم أن من أخفى الحقيقة هو الأولى بافتراش الظلام ؟! ماذا تعرفون عن الظلم إنكم لا تعرفونه رغم أنه يمارس عليكم في كل حين وفي كل دقيقة . يربط الشاعر بين القوة والظلم ، أليس المجتمع الإنساني أقل بكثير من الحيوان في الغاب ، هذا يظلم من أجل أن يعيش أما أنتم فتظلمون لأن الظلم استوطن منكم تلافيف الدماغ وسكن منكم المخ والمخيخ ، فماذا تعرف إذن عن جند فرعون ، القوة تستبيح كل الأعراض وتدوس على كرامة الإنسان ، جند فرعون لا يفرقون بين الحلال والحرام ، يمارسون الظلم ، لا يعرفون معنى للإنصاف ، ماذا تعرف عن الألم ؟ أسبق لك أن جربت الألم ، ألم الفراق ، فراق الأحبة ، لا أظن أنك جربته وإن جربته فلن تسمو إلى ما سمت إليه تماضر شاعرة العرب (عذرا ...باكية صخرا....) ، وهي تدرف صخرا على صخر ،إذا كنت لا تعرف عنها شيئا ، فاقصد كتاب (الأغاني )، وسيحكي لك عن الخنساء هذه الشاعرة التي بكت أخاها في كل حرف من حروف القصيدة العربية في الرثاء ، الشاعر يعطيك الإشارة إلى نصوص عظيمة في تاريخ الفكر والأدب الإنساني ، ويوظف الرمز لكن أنت أحسن تفكيكه واكشف سره وانتشله من الغموض إلى الوضوح ، طبعا وفق قدراتك التأويلية ، فأنت لست أقدر على أن تغوص في كل خبايا النص ، فهو حافل بالنصوص حتى التخمة ، وكل إشارة ضوئية تحيلنا إلى نص ضارب في عمق التاريخ له ماله وعليه ما عليه في التاريخ فالفياض يقوم بعملية مسح للرموز من بروميثيوس إلى منديلا في القرن الواحد والعشرين ، لكن هذه الشخصيات التي تمارس عليك لعبة التخفي ، وتتستر وراء السطور ، كالحرباء إذن تلاعبك لعبة الغميضة في النص ، هذا يستوجب الكفاءة العلمية والمعرفية لمعرفة اسرار كل رمز من هذه الرموز العظيمة ،سبق أن أشرت في إحدى مقالاتي إلى أن سبب عزوف الشعراء الشباب عن توظيف الرموز لامتصاص نصوص أخرى يعود بالدرجة الأولى الى النقص المعرفي على مستوى التاريخ والآداب الإنسانية ، ،فهذا يفترض الإلمام بمعرفة( العلم / الرمز) قبل توظيفه ، و(لكل مقام مقال ) كما نقول !!
احزم أمرك يا رجل فأنت في حضرة التاريخ (فرعون) والأسطورة (بروميتوس ) والدين (يعقوب ) و لا ينجو من سطوة هذا الشاعر حتى تاريخ اضطهاد الأقلام التحررية التي كانت تشكل شوكة في حلق الأنظمة الاستبدادية المتعفنة : (لوركا / فرانكو / بريخت مانديلا ) هي الإحاطة إذن، فالقصيدة حبلى بالأحداث ، التاريخية ، التي تبرز مدى عنهجية التفكير الاستبدادي والطغيان البشري عبر مختلف العصور والأمكنة ، من أول خطيئة يرتكبها الإنسان إلى كتم أنفاس التحرريين كإعدام كارسيا لوركا واضطهاد برتولد بريخت من طرف الحملة النازية المسعورة ، هو القلم يا ناقد كان مضطهدا في كل البلاد عبر التاريخ ، فهو رمز للمعرفة والمعرفة مصدر للشر في نظر (زايوس) عكسه بروميثيوس ، وبريخت ولوركا ! هو اضطهاد القلم اصضهاد المعرفة ، سبب بسيط ،تهمة بالزندقة وانتهى الأمر ، النص الشعري متخم بهذه الإشارات والرموز والأعلام التاريخية التي تشير كل شخصية من هذه الشخصيات إلى مئات النصوص ،أعتقد أنه لا يشكل عليك قراءة ما يختفي وراء سطوري من نصوص والشاعر يعطيك من حين لآخر بعض الإضاءات ، فقط تسلح بالمعرفة و فكرجيدا في قول جوليا كريستيفا cristiva :
(كل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى ) *
وتمكنك من ضوابط الغموض في هذا النص الباذخ يقتضي منك كما يرى تودوروف ،أن تضبط ، عملية القراءة في حضور أو غياب الإحالة
إلى نص سابق ، فأنا أمامك أيها الناقد مساحة ، أو حقل بلاتخوم ، بلا حدود ، أنا الزئبقة المشاغبة ، لا يحسن القبض علي إلا متمرس ، بالفكر واللغة ، ومتمكن من تفكيك الإحالة وتحليل الرمز ، ألم يسبق لك أن سألت عن واقعيتي كقصيدة شعرية فأنا (واقعية بلا ضفاف ) كما يقول روجي كارودي ، فقط اعلم أن من يمتلك لسانا ويحسن طرح السؤال فإنه لن يضل الطريق ، فاسأل أولي الحكمة ، في النقد ولا بأس أن تسأل القدماء و المحدثين ، العرب والغرب ، فمن لا ينفعك بشيء لن يضرك بشيء .وحلق مع الفياض مستمتعا بتجاور أضداده، وتساكنها في السطر الواحد ، وتلذذ بالتعري من اوراق التوت ، وسقوط الأقنعة في ( مهرجان الاقنعة)وانكشاف تلك الوجوه المحروقة فما جاور هذه الأضداد إلا من أجلك وما قام بهذا المسح الرمزي الإ لتحصل أنت على لذة القرءة ! يقول ابن طباطبا في عيار الشعر : (على النص العظيم أن يهب المتلقي فرصة الحدس والتخمين وعليه كذلك أن يصاغ وفقا لمبدأ التلويح الذي يصون درجة الخفاء بحيث يحرض في المتلقي شهوة اختراق المستور ، شهوة الهتك وملاقاة الاسرار ) فأنا كقصيدة مفتوحة على شتى التفسيرات ومناهج الشرح والتحليل والإسقاط ، ولكن ليس لأي كان الحق في نفي التفسيرات الأخرى فالشجرة الوارفة الظلال تسع كل الكائنات الحية للتمتع بظلالها وتحتمي تحت جناحيها ،، فعبد الجبار الفياض شاعر ، له حرية الإبداع والتوظيف للرموز على سبيل التضمين أو التناص أو الرمز بالأسطورة مادامت ليست أمامه حدود يرتطم بها عقله ، وأنت( كناقد /قاريء ) لك حرية النقد والتأويل والتفسير ، فالشاعريحفظ عن ظهر قلب قول الجرجاني الذي يرى : (الكلام الفني قول راح السمع يسرقه او يختلسه اختلاسا وهو يتنصت على النائي والعميق ) أما أنت أيها الناقد فعليك أن تعلم : أن توظيف الرمز يصون البعد الفاصل بين النص وبينك كمتلق ، وأن تفكيكك لهذه الرموز يحقق لك شهوة اختراق الخفي والمستور في ثنايا السطور الشعرية . واعلم أنك لم تأخذ مني إلا النزر القليل ، فقد أعطيتك فقط ما ينير أمامك طريق البحت والتقصي فأنا دغل متشابك من الأسرار والخبايا أصونها حد التقتير ، وفقك الله وأعانك علي .....
بقلم الاستاذ :صالح هشام
الرباط في الجمعة ١٨|١٢|٢٠١٥
النّهرُ الميّت / للشاعر عبدالجبار الفياض
دارتْ
وما انتهتْ
ليس لها أنْ تستقرْ
من غيْرِ أنْ ينفرطَ عقد
علقتْ بهِ من الملائكةِ عيونْ
أنْ تُرجمَ في صحراءِ الوَهْمِ حروفُ الأبتداءْ . . .
أنْ تُدفنَ في عتبةِ الدّارِأحلامٌ صغيرةٌ
استبطنَها قلبٌ كبيرْ . . .
. . . . .
شِباكٌ سوداءٌ
متاريسُ تحبسُ خطىً
تتخطى زمناً
يتنفسُ موتاً برئةٍ صفراءْ!
نزعَ أُوديبُ لعنتَهْ
مُفترشاً ظلامَهُ النّقيّ !
. . . . .
نهرٌ
ظمئتْ شفتاهْ
قبرٌ مفتوحٌ
مستورٌ بباقةِ عدسْ
تشيّعُهُ أرضٌ
تعصرُهُ خمراً
وعلى البابِ حُفاةٌ
يضرسون
بين وجودٍ
وعدمْ
. . . . .
مقطعةُ الأزرارْ
استباحَها جُندُ فرعون
لم تزرْها قدمٌ بحناءِ عُرسْ
نخّاسٌ
يرى بأصابعِهْ
لم تزلْ أصنامٌ تُطعمْ
كَبِدَ برميثيوس
دَمَاً
أوصى به الحلاّجُ
زيتاً لدروبِ العُتمةْ !
. . . . .
أضدادٌ
تتجاورْ
تتعرى تماماً من أوراقِ التوتْ
اقنعةً تتحدثْ
إنّهُ مهرجانُ الوجوهِ المُحترقةْ !
. . . . .
؟
من دونِها
عبَرَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا . . .
مانديلا
خرقَ جدارَ زمنِهْ . . .
رسمَ بريختْ دائرةَ طباشيرهِ القوقازيةْ . . .
جعلَها لوركا بصقةً بوجهِ فرانكو . . .
ومُعلقةً
تركَها الحمدانيُّ في جفنِهْ
وليحتفظِ الغيْمُ ما شاءَ بقطرْ!
. . . . .
لا صُبْحَ
يأتي باسطاً كفيْه
وعاشقون
بمناديلَ مبللةٍ
يتقزمونَ تحتَ أقواسِ فتحٍ كاذبْ
. . . . .
رحىً تطحنُ جوعاً
ناعورٌ
يشربُ عطشاً . . .
دُرْنا حولَهُ كثيراً
أكَلَ من لحومِنا كثيراً
نحتَنا دورانُهُ هُزلاً بوجهِ العادياتْ . . .
عشقٌ يُذبحْ
عيدٌ يُصبغُ بسخامٍ تتريّ
صوتٌ
يُخنقُ بحبلهِ السّريّ . . .
حنانيكْ
أيَّها الكريمُ الكاتبْ . . .
يومُنا ينزفُ صمتاً ثقيلاً
لا حبلَ غسيلْ
الأتساخُ
يُلعقُ بنهمِ الذّبابْ . . .
الموتُ
أكلَ كُلَّ أكفانهْ
دُجِّنَ في زرائبِ البغالْ !
لم يَعُدْ داكناً
تُطرَحُ في طريقهِ التمائمْ . . .
المقابرُ
لا تُريدُ أمواتاً
أماتَها الموتُ مِراراً
فتعفّنتْ موتاً !!
. . . . .
ماضٍ
شنقناهْ
جعلناهُ إماماً . . .
شَنَقَنا
جَعَلنا عبيداً !
الصّهيلُ
يقتلُ الخيولَ المربوطةْ . . .
. . . . .
عُذراً
يعقوبَ النّبيّ
سَمَلَ الحصيرْ
عُذراً
باكيةً صخراً
آلَ ياسرْ . . .
أطلتمْ بقاءً بيننا
الضّيافةُ
أفرغتْ كُلَّ الجِفانْ
حروفَ الإحتفاءْ . . .
أزفَ الرّحيلْ
دعوا السومريُّ
يُداعبُ قيثارةَ عِشقهْ
بجنانِها
تنعمُ عاشقةٌ من بابلْ . . .
حينَ يهبطُ شلاّلٌ
يولدُ نهرٌ
للعشقْ !!
. . . . .
عبد الجبار الفياض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق